محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله ، فيقال لهم : تلك مساكنكم لو أطعتم الله ثم تقسم بين المؤمنين ، فيرثونهم ، فذلك حين يندمون . حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل ، قال : ثنا أبو الزعراء ، عن عبد الله في قصة ذكرها فقال : فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار ، وهو يوم الحسرة . قال : فيرى أهل النار الذين في الجنة ، فيقال لهم : لو عملتم فتأخذهم الحسرة . قال : فيرى أهل الجنة البيت الذي في النار ، فيقال : لولا أن من الله عليكم فإن قال قائل : وكيف يكون مضافا إليهم من العمل ما لم يعملوه على هذا التأويل ؟ قيل : كما يعرض على الرجل العمل فيقال له قبل أن يعمله : هذا عملك ، يعني هذا الذي يجب عليك أن تعمله ، كما يقال للرجل يحضر غداؤه قبل أن يتغدى به : هذا غداؤك اليوم ، يعني به : هذا ما تتغدى به اليوم ، فكذلك قوله : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ يعني : كذلك يريهم الله أعمالهم التي كان لازما لهم العمل بها في الدنيا حسرات عليهم . وقال آخرون : كذلك يريهم الله أعمالهم السيئة حسرات عليهم : لم عملوها ، وهلا عملوا بغيرها مما يرضى الله تعالى ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ فصارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة . حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ قال : أوليس أعمالهم الخبيثة التي أدخلهم الله بها النار حسرات عليهم ؟ قال : وجعل أعمال أهل الجنة لهم ، وقرأ قول الله : بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال : معنى قوله : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ كذلك يري الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم لم عملوا بها ، وهلا عملوا بغيرها فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها ؟ لأَن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندما عليهم . فالذي هو أولى بتأويل الآية ما دل عليه الظاهر دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة على أنه المعني بها . والذي قال السدي في ذلك وإن كان مذهبا تحتمله الآية ، فإنه منزع بعيد ، ولا أثر بأن ذلك كما ذكر تقوم به حجة فيسلم لها ، ولا دلالة في ظاهر الآية أنه المراد بها . فإذ كان الأَمر كذلك لم يحل ظاهر التنزيل إلى باطن تأويل . القول في تأويل قوله تعالى : وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ يعني تعالى ذكره بذلك : وما هؤلاء الذين وصفتهم من الكفار وإن ندموا بعد معاينتهم ما عاينوا من عذاب الله ، فاشتدت ندامتهم على ما سلف منهم من أعمالهم الخبيثة ، وتمنوا إلى الدنيا كرة لينيبوا فيها ، ويتبرءوا من مضليهم وسادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله فيها بخارجين من النار التي أصلاهموها الله بكفرهم به في الدنيا ، ولا ندمهم فيها بمنجيهم من عذاب الله حينئذ ، ولكنهم فيها مخلدون . وفي هذه الآية الدلالة على تكذيب الله الزاعمين أن عذاب الله أهل النار من أهل الكفر منقض ، وأنه إلى نهاية ، ثم هو بعد ذلك فإن ؛ لأَن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، ثم ختم الخبر عنهم أنهم غير خارجين من النار بغير استثناء منه وقتا دون وقت ، فذلك إلى غير حد ولا نهاية . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يعني تعالى ذكره بذلك : يا أيها الناس كلوا مما أحللت لكم من الأَطعمة على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم فطيبته لكم مما تحرمونه على أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل ، وما أشبه ذلك مما لم أحرمه عليكم ، دون ما حرمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجسته من ميتة ودم ولحم خنزير وما أهل به لغيري ، ودعوا خطوات الشيطان الذي يوبقكم فيهلككم ويوردكم موارد العطب ويحرم عليكم أموالكم فلا تتبعوها ولا تعملوا بها ، إنه يعني بقوله إِنَّهُ إن الشيطان ، والهاء في قوله : إِنَّهُ عائدة على الشيطان لَكُمْ أيها الناس عَدُوٌّ مُبِينٌ يعني أنه قد أبان لكم عداوته بإبائه عن السجود لأَبيكم وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة واستزله بالخطيئة ، وأكل من الشجرة . يقول تعالى ذكره : فلا تنتصحوه أيها الناس مع إبانته لكم العداوة ، ودعوا ما يأمركم به ، والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرمته عليكم ، دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم